موظفون وأطباء في وزارة الزراعة تورطوا في تسهيل عمليات تهريب الأغنام والأموال لمصلحة التجار.. عشرات ملايين الدولارات من الارباح!

خاص | diasporaOn | Monday, August 9, 2021 9:52:00 AM

في الرابع والعشرين من نيسان ٢٠٢١، وبعد أخبار عن تهريب أغنام مدعومة، أوقف جهاز الجمارك اللبنانية بناء على إشارة المدعي العام التمييزي غسان عويدات، طائرة محمّلة بالأغنام تتجه إلى دولة عربية، وأحيل ملفّ التحقيق إلى فرع المعلومات، الذي أوقف صاحب الشحنة، تاجر المواشي ذيب نخلة. وبدلاً من تنظيم القطاع أوقف وزير الزراعة، عباس مرتضى، أذونات التصدير، ومن جهة أخرى أوقف الدعم عن استيراد اللحوم من الخارج.

بتوقيع من وزير الزراعة ووزير الاقتصاد، وموافقة مصرف لبنان، كانت تجري الموافقة على استيراد اللحوم المدعومة، في حين يحتاج التجار إلى توقيع وزير الزراعة حصرًا للحصول على إذن تصدير إلى الخارج. وبحسب الأرقام الرّسمية الصادرة عن وزارة الزراعة فقد استورد لبنان نحو اثنين وثلاثين ألف رأس غنم مدعوم في الأشهر الثلاثة الأوَل من العام الحالي. وفي الوقت الذي استفاد فيه التجار أنفسهم من أموال الدعم، صدّروا نحو مائة وعشرة آلاف رأس، من بينها أغنام مدعومة، وأخرى مهرّبة عبر الحدود السورية بدلاً من طرحها في السوق المحلي، وتوفير ملايين الدولات، التي تدفع من أموال المودعين في المصارف من دون أن يصل الدعم فعلاً إلى اللبنانيين. (مرفق مستند)

ولدى استجواب فرع المعلومات التاجر ذيب نخلة أفاد بأن ثمن رأس الغنم العواس في السوق المحلية يتراوح من ١٧٠ و٢٢٠ دولارًا أمريكياً بحسب وزنه، وبأن بيعه للدول العربية يكون بنحو ٣٠٠ دولار، إلا أنه وفي التدقيق في إحدى فواتير نخلة للشحنة، التي جرى توقيفها، تبيّن أن سعر الرأس الواحد على فاتورة بلد المنشأ الموقّعة من وزارة الزراعة هو ستون دولاراً، وبحسب التحقيق يبّرر نخلة الأمر في إفادته بأن خفص السعر جاء بناء على طلب الزبون في الخارج. (مرفق مستند)
بهذا الشكل يتبيّن كيف يتهرّب نخلة من ضريبة الأرباح على شركته، إذ إن الضريبة تنحصر في قيمة الفاتورة المخفضة، وكيف يتهرّب من تحويل أموال التصدير إلى لبنان، على اعتبار أن تشجييع التصدير هو من باب إدخال العملة الصعبة. ولكن ما كان لافتًا في أذونات التصدير الصادرة عن وزير الزراعة، أنّها لم تكن مشروطة بضرورة إبرز حوالة مصرفية.

في عملية حسابية يسيرة، ووفق الأرقام الرسمية، صدّر نخلة في الأشهر الثلاثة الأوَل من عام ٢٠٢١ أربعين ألف رأس غنم، بقيمة تقارب اثني عشر مليون دولار إذا احتسبنا سعر الرأس بـــ٣٠٠ دولار كما قال نخلة في إفادته، فيما لا يتجاوز المبلغ مليونين ونصف مليون دولار، وفق الرقم المصرّح به على الفاتورة. ما يعني أن نخلة تهرّب من دفع ضريبة مستحقة على نحو تسعة ملايين دولار لمصلحة وزارة المال، وهي تالياً أموال لم تدخل لبنان، وهذا ما وثّقته التحقيقات التي لم تحصل على حوالات مالية بالمبالغ الفعلية للبضائع.
ونحن هنا لم نتحدّث بعد عن عام ٢٠٢٠ الذي صدّر فيه هذا التاجر، وفق أرقام وزارة الزراعة، ثمانين ألف رأس غنم، أي إن الأموال المهرّبة تصل إلى أكثر من عشرين مليون دولار.
كذلك لم يبرز نخلة للمحقيقين أي فاتورة تثبت مصدر شراء الأغنام، التي يصدرها، مكتفيًا بالقول إنها أغنام يشتريها من مزارعين على الحدود اللبنانية السورية. ووفق المعلومات فإن عدداً من رؤوس الأغنام مهرّب من سوريا، ومعه أغنام مدعومة. ما يعني أن لوزارة الزراعة دورًا في تشريع بيع هذه الأغنام في الخارج من خلال إعطائها شهادة منشأ لتصدّر على أنها لبنانية.

أكثر من ذلك، وفي شق متّصل، توصّل التحقيق إلى وجود محضر نظّمه مراقبو وزارة الاقتصاد بحق مزرعة كامل محسن في بلدة أرنون الجنوبية، لعدم التزام صاحبها بيع اللحوم بالسعر المدعوم. وتبيّن وجود أكثر من ٨٠٠ رأس غنم مدعوم تعود إلى التاجر ذيب نخلة نفسه، وقد وقّع صاحب المزرعة على تعهّد بعدم التصرّف بالأغنام. إلا أنّه أقدم على بيعها وتهريبها، وذلك حصل قبل توقيف طائرة الأغنام، وهو ما يرجّح فرضية أن تكون أغنام الدعم هي التي كانت على متن رحلة التهريب.

لم يكتفِ فرع المعلومات باستجواب ذيب نخلة وموظّفيه، بل استمع إلى إفادات عدد كبير من التجار الذين يستفيدون من الدعم، ومن إذن التصدير في آنٍ معًا. وتبيّن أنهم يعملون بالنهج نفسه. إضافة إلى استماعه إلى شهادات عدد من الموظفين المعنيين في وزارة الزراعة. ووفق مصادر مطّلعة على التحقيقات، فقد ثبت تورّط موظفين وأطباء في وزارة الزراعة، أسهموا من خلال التلاعب بنتائج الفحوص المخبرية المطلوبة للتصدير، ومن خلال تواقيعهم على شهادات المنشأ غير الواقعية، في تسهيل عمليات تهريب الأغنام والأموال لمصلحة التجار.

أوقف ذيب نخلة نحو تسعة أيام على ذمة التحقيق، قبل أن يحال الملف إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت، الذي أخلى سبيله، ولا مستجدات في الملف منذ ذلك الحين. كما أنه لم يجرِ استجواب الموظّفين والمتورّطين، فيما اقتصرت إجراءات الدولة على وقف الدعم عن اللحوم وغيرها من الموادّ الأساسية والضرورية، التي يحتاج إليها المواطنون.
إجراءات تظهر أن التجار يحظون بدعمين: دعم في السلع للتهريب، ودعم سياسيّ يبعدهم من المحاسبة.