إنفجار الرابع من آب.. غبار الكارثة يحجب صفاء الحقيقة

خاص | | Thursday, August 4, 2022 4:35:00 PM

عيسى طفيلي

 


ما زال صوت صدى إنفجار مرفأ بيروت يُسمع في آذان اللبنانيين، وما زال غبار الكارثة يحجب صفاء الحقيقة، فيما لا زالت عيون أهالي الشهداء تذرف الدموع على أعزاء استشهدوا في ثاني أكبر انفجار على مدار التاريخ.

لا زلت أذكر مقاطع الفيديو التي وصلت إلى هاتفي عند لحظات الإنفجار الأولى، سحب دخان تغطي بيروت، جثث مطروحة على الطرقات مغطاة بالتراب والحجارة، جرحى تتملكهم الصدمة من هول المشهد، يذرفون الدماء ولا يعلمون ماذا يحصل، سياراة اسعاف تعجز عن اسعاف أكثر من ستة آلاف جريح، وأمهات تبحث عن أبنائها المفقودين.

مشاهد تكاد تعجز الأقلام عن وصفها، وعدسات عجزت ماذا تلتقط، فالفاجعة أكبر من أن يصفها قلم، أو تؤرخها صورة، فالعديد من الصحافيين خلعو ثوبهم المهني ولبسوا الثوب الإنساني، وأخذوا يساعدون فرق الإسعاف، إيمانا منهم بأن حياة إخوتهم اللبنانيين أهم من أي شيء أخر.

مكاتب جريدة النهار الزميلة أصبحت خراب، ومكاتب شاشات التلفزة أصبحت الحدث بعينه، فيما من كان قد عودنا على أن يطفئ النار، غلبه اللهب واشتعل، وسيارة الإطفاء أصبحت بحاجة لمن يطفئ لهيبها، ورجالها بقيوا أحياء عند ربهم، وبقيت صورهم تعانق جدران مبنى فوج إطفاء بيروت.

قاسية هي مشاهد ذلك اليوم المشؤوم، وكيف لا تكون قاسية وعصف الإنفجار هز ساحل المتوسط بأكمله، وعدسات الكميرات جعلت دموع المغتربين تذرف على اخوتهم في الوطن، غير مصدقين ما يحصل، فبيروت أصبحت رمادا بعد أن كانت تضج بالحياة.

من الصعب أن يكون المغترب في حالة من المتابعة لتفاصيل ما يحصل، وأن يتفاجأ بخبر عزيز أو قريب رحل.. لا بل قتل. وليس من السهل أن تحترق عاصمة وطنك وأنت عاجز عن معرفة مصير أهلك وأبناء بلدك، فكارثة آب كانت أكبر من أن يستطيع أي فرد من السيطرة على دموعه.

صحيح أن الإنفجار سمعت أصداؤه في بيروت، إنما أصوات أوجاعه سمعت من الخارج، فما أصاب اللبناني المقيم أوجع اللبناني المغترب الذي كاد أن يستبدل دموعه بالدم، حزنا على ما حل بوطنه، ولا زال الجرح مفتوحا، لن يضمضه إلا انجلاء الحقيقة.
الاغتراب ايضا فقد الكثير. فقد الامل بأمان ممكن في بلاده. فقد حتّى الامل بامكان عودة قريبة. فقد عاصمة. فقد كلّ ثقة بالمحاسبة ولا سيما بعد سنتين من الفاجعة.
عامان مضيا على الفاجعة، لكن جرحها لن يُدمل إلى بعد الإقتصاص من المجرمين، ولكن في لبنان سلطة تجعلنا نفقد الإيمان باقترابنا من بلوغ الحقيقة.